الجاحظ
162
الحيوان
789 - [ تعليم البراذين والطير ] والبرذون يراض فيعرف ما يراد منه ، فيعين على نفسه . وربّما استأجروا للطّير رجلا يعلّمها . فأمّا الذي رأيته أنا في البلابل ، فقد رأيت رجلا يدعى لها فيطارحها من شكل أصواتها . 790 - [ اختراع الطير للأصوات واللحون ] وفي الطّير ما يخترع الأصوات واللّحون التي لم يسمع بمثلها قطّ من المؤلّف للحون من النّاس ؛ فإنّه ربّما أنشأ لحنا لم يمرّ على أسماع المغنّين قطّ . وأكثر ما يجدون ذلك من الطّير في القماريّ ، وفي السّودانيات ، ثمّ في الكرارزة [ 1 ] . وهي تأكل الذّبّان أكلا ذريعا . 791 - [ اللّجوج من الحيوان ] ويقال إن اللّجاج في ثلاثة أجناس من بين جميع الحيوان : الخنفساء ، والذّباب ، والدّودة الحمراء ؛ فإنّها في إبّان ذلك تروم الصّعود إلى السّقف ، وتمرّ على الحائط الأملس شيئا قليلا فتسقط وتعود ، ثمّ لا تزال تزداد شيئا ثمّ تسقط ، إلى أن تمضي إلى باطن السّقف ، فربما سقطت ولم يبق عليها إلّا مقدار إصبع ، ثمّ تعود . والخنفساء تقبل قبل الإنسان فيدفعها ، فتبعد بقدر تلك الطّردة والدّفعة ثمّ تعود أيضا ، فيصنع بها أشدّ من تلك ثمّ تعود ، حتّى ربما كان ذلك سببا لغضبه ، ويكون غضبه سببا لقتلها . 792 - [ اعتقاد المفاليس في الخنافيس ] وما زالوا كذلك ، وما زالت كذلك ، حتّى سقط إلى المفاليس أنّ الخنافس تجلب الرّزق . وأنّ دنوّها دليل على رزق حاضر : من صلة ، أو جائزة ، أو ربح ، أو هديّة ، أو حظّ . فصارت الخنافس إن دخلت في قمصهم ثمّ نفذت إلى سراويلاتهم لم يقولوا لها قليلا ولا كثيرا . وأكثر ما عندهم اليوم الدّفع لها ببعض الرّفق . ويظنّ بعضهم أنّه إذا دافعها فعادت ، ثمّ دافعها ، فعادت ، ثمّ دافعها فعادت - أنّ ذلك كلما كان أكثر ، كان حظّه من المال الذي يؤمّله عند مجيئها أجزل .
--> [ 1 ] الكرارزة : جمع كرّزي ، هو الصقر والبازي « القاموس : كرز » .